أحمد زكي صفوت

211

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

يا بنىّ الذي لا ناصح له مثلي ، ولا منصوح لي مثله ، قد قدمت لك في هذا النظم ما إن أخطرته بخاطرك في كل أوان ، رجوت لك حسن العاقبة إن شاء اللّه تعالى ، وإنّ أخفّ منه للحفظ ، وأعلق بالفكر ، وأحقّ بالتقدم قول الأول : يزين الغريب إذا ما اغترب * ثلاث ، فمنهن : حسن الأدب وثانية : حسن أخلاقه * وثالثة : اجتناب الرّيب وإذا اعتبرت هذه الثلاثة ، ولزمتها في الغربة ، رأيتها جامعة نافعة ، لا يلحقك إن شاء اللّه مع استعمالها ندم ، ولا يفارقك برّ ولا كرم ، وللّه درّ القائل : يعدّ رفيع القوم من كان عاقلا * وإن لم يكن في قومه بحسيب إذا حلّ أرضا عاش فيها بعقله * وما عاقل في بلدة بغريب وما قصّر القائل حيث قال : واصبر على خلق من تعاشره * وداره ، فاللبيب من دارى واتّخذ النّاس كلّهم سكنا * ومثّل الأرض كلّها دارا وأصغ يا بنىّ إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر « 1 » ، وسلّم الكرم والصبر : ولو أنّ أوطان الديار نبت بكم * لسكنتم الأخلاق والآدابا « 2 » إذ حسن الخلق أكرم نزيل ، والأدب أرحب منزل ، ولتكن كما قال بعضهم في أديب متغرب : « وكان كلما طرأ « 3 » على ملك ، فكأنّه معه ولد ، وإليه قصد ، غير مستريب بدهره ، ولا منكر شيئا من أمره » ، وإذا دعاك قلبك إلى صحبة من أخذ بمجامع هواه « 4 » ، فاجعل التكلف له سلّما ، وهبّ في روض أخلاقه هبوب النسيم ، وحلّ بطرفه حلول الوسن « 5 » وأنزل بقلبه نزول المسرة ، حتى يتمكن لك وداده ، ويخلص فيك اعتقاده ، وطهّر من الوقوع فيه لسانك ، وأغلق سمعك ، ولا ترخّص

--> ( 1 ) يقال : درة يتيمة : أي لا نظير لها ، وكل شيء مفرد يعز نظيره فهو يتيم . ( 2 ) نبا به منزله : إذا لم يوافقه . ( 3 ) طرأ عليهم كمنع : أتاهم من مكان ، أو خرج عليهم منه فجأة . ( 4 ) الضمير فيه يعود على « قلبك » . ( 5 ) الوسن : النعاس .